بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَ يَنْبَغِي أَنْ تَدْعُوَ بَعْدَ فَرَاغِكَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، أَعْنِي الثَّلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بِمَا كَانَ يَدْعُو بِهِ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ عليه السلام، وَ هُوَ مِنْ أَدْعِيَةِ الصَّحِيفَةِ الْكَامِلَةِ:
اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمُلْكِ الْمُتَأَبِّدِ بِالْخُلُودِ، وَ السُّلْطَانِ الْمُمْتَنِعِ بِغَيْرِ جُنُودٍ وَ لَا أَعْوَانٍ، وَ الْعِزِّ الْبَاقِي عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ وَ خَوَالِي الْأَعْوَامِ وَ مَوَاضِي الْأَزْمَانِ وَ الْأَيَّامِ، عَزَّ سُلْطَانُكَ عِزّاً لَا حَدَّ لَهُ بِأَوَّلِيَّةٍ وَ لَا مُنْتَهَى لَهُ بِآخِرِيَّةٍ، وَ اسْتَعْلَى مُلْكُكَ عُلُوّاً سَقَطَتِ الْأَشْيَاءُ دُونَ بُلُوغِ أَمَدِهِ، وَ لَا يَبْلُغُ أَدْنَى مَا اسْتَأْثَرْتَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَقْصَى نَعْتِ النَّاعِتِينَ. ضَلَّتْ فِيكَ الصِّفَاتُ، وَ تَفَسَّخَتْ دُونَكَ النُّعُوتُ، وَ حَارَتْ فِي كِبْرِيَائِكَ لَطَائِفُ الْأَوْهَامِ. كَذَلِكَ أَنْتَ اللَّهُ الْأَوَّلُ فِي أَوَّلِيَّتِكَ، وَ عَلَى ذَلِكَ أَنْتَ دَائِمٌ لَا تَزُولُ، وَ أَنَا الْعَبْدُ الضَّعِيفُ عَمَلًا الْجَسِيمُ أَمَلًا، خَرَجَتْ مِنْ يَدِي أَسْبَابُ الْوُصُلَاتِ إِلَّا مَا وَصَلَتْ رَحْمَتُكَ، وَ تَقَطَّعَتْ عَنِّي عِصَمُ الْآمَالِ إِلَّا مَا أَنَا مُعْتَصِمٌ بِهِ مِنْ عَفْوِكَ. قَلَّ عِنْدِي مَا أَعْتَدُّ بِهِ مِنْ طَاعَتِكَ، وَ كَثُرَ (وَ كَبُرَ عِنْدِي) عَلَيَّ مَا أَبُوءُ بِهِ مِنْ مَعْصِيَتِكَ، وَ لَنْ يَضِيقَ عَلَيْكَ عَفْوٌ عَنْ عَبْدِكَ وَ إِنْ أَسَاءَ، فَاعْفُ عَنِّي.
اللَّهُمَّ وَ قَدْ أَشْرَفَ عَلَى خَفَايَا الْأَعْمَالِ عِلْمُكَ، وَ انْكَشَفَ كُلُّ مَسْتُورٍ دُونَ خُبْرِكَ، وَ لَا تَنْطَوِي عَنْكَ دَقَائِقُ الْأُمُورِ، وَ لَا تَغْرُبُ (تَعْزُبُ) عَنْكَ غَيِّبَاتُ (غَائِبَاتُ) السَّرَائِرِ، وَ قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيَّ عَدُوُّكَ الَّذِي اسْتَنْظَرَكَ لِغِوَايَتِي (لِإِغْوَائِي) فَأَنْظَرْتَهُ، وَ اسْتَمْهَلَكَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لِإِضْلَالِي فَأَمْهَلْتَهُ، فَأَوْقَعَنِي، وَ قَدْ هَرَبْتُ إِلَيْكَ مِنْ صَغَائِرِ ذُنُوبٍ مُوبِقَةٍ وَ كَبَائِرِ أَعْمَالٍ مُرْدِيَةٍ، حَتَّى إِذَا قَارَفْتُ مَعْصِيَتَكَ وَ اسْتَوْجَبْتُ بِسُوءِ سَعْيِي سَخْطَتَكَ (سَخَطَكَ)، فَتَلَ عَنِّي عِذَارَ (عَنَانَ) غَدْرِهِ، وَ تَلَقَّانِي بِكَلِمَةِ كُفْرِهِ، وَ تَوَلَّى الْبَرَاءَةَ مِنِّي، وَ أَدْبَرَ مُوَلِّياً عَنِّي، فَأَصْحَرَنِي لِغَضَبِكَ فَرِيداً، وَ أَخْرَجَنِي إِلَى فِنَاءِ نَقِمَتِكَ طَرِيداً، لَا شَفِيعَ يَشْفَعُ لِي إِلَيْكَ، وَ لَا خَفِيرَ يُؤْمِنُنِي عَلَيْكَ، وَ لَا حِصْنَ يَحْجُبُنِي عَنْكَ، وَ لَا مَلَاذَ أَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنْكَ. فَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ، وَ مَحَلُّ الْمُعْتَرِفِ لَكَ، فَلَا يَضِيقَنَّ عَنِّي فَضْلُكَ، وَ لَا يَقْصُرَنَ (يَقْصُرُ) دُونِي عَفْوُكَ، وَ لَا أَكُنْ أَخْيَبَ عِبَادِكَ التَّائِبِينَ، وَ لَا أَقْنَطَ وُفُودِكَ الْآمِلِينَ، وَ اغْفِرْ لِي إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي فَتَرَكْتُ، وَ نَهَيْتَنِي فَرَكِبْتُ، وَ سَوَّلَ لِيَ الْخَطَايَا (الْخَطَأَ) خَاطِرُ السَّوْءِ فَفَرَّطْتُ، وَ لَا أَسْتَشْهِدُ عَلَى صِيَامِي نَهَاراً، وَ لَا أَسْتَجِيرُ بِتَهَجُّدِي لَيْلًا، وَ لَا تُثْنِي عَلَيَّ بِإِحْيَائِهَا سُنَّةً، حَاشَا فُرُوضِكَ الَّتِي مَنْ ضَيَّعَهَا هَلَكَ، وَ لَسْتُ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِفَضْلِ نَافِلَةٍ، مَعَ كَثِيرِ مَا أَغْفَلْتُ مِنْ وَظَائِفِ فُرُوضِكَ، وَ تَعَدَّيْتُ عَنْ مَقَامَاتِ حُدُودِكَ إِلَى حُرُمَاتٍ انْتَهَكْتُهَا، وَ كَبَائِرَ ذُنُوبٍ اجْتَرَحْتُهَا، كَانَتْ عَافِيَتُكَ لِي مِنْ فَضَائِحِهَا سِتْراً. وَ هَذَا مَقَامُ مَنِ اسْتَحْيَا لِنَفْسِهِ مِنْكَ، وَ سَخِطَ عَلَيْهَا، وَ رَضِيَ عَنْكَ، فَتَلَقَّاكَ (وَ تَلَقَّاكَ) بِنَفْسٍ خَاشِعَةٍ، وَ رَقَبَةٍ خَاضِعَةٍ، وَ ظَهْرٍ مُثْقَلٍ مِنَ الْخَطَايَا، وَاقِفاً بَيْنَ الرَّغْبَةِ إِلَيْكَ وَ الرَّهْبَةِ مِنْكَ، وَ أَنْتَ أَوْلَى مَنْ رَجَاهُ، وَ أَحَقُّ مَنْ خَشِيَهُ وَ اتَّقَاهُ، فَأَعْطِنِي يَا رَبِّ مَا رَجَوْتُ، وَ آمِنِّي مَا (مِمَّا) حَذَرْتُ، وَ عُدْ عَلَيَّ بِعَائِدَةِ رَحْمَتِكَ، إِنَّكَ أَكْرَمُ الْمَسْئُولِينَ.
اللَّهُمَّ وَ إِذْ سَتَرْتَنِي بِعَفْوِكَ، وَ تَغَمَّدْتَنِي بِفَضْلِكَ فِي دَارِ الْفَنَاءِ بِحَضْرَةِ الْأَكْفَاءِ، فَأَجِرْنِي مِنْ فَضِيحَاتِ دَارِ الْبَقَاءِ عِنْدَ مَوَاقِفِ الْأَشْهَادِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَ الرُّسُلِ الْمُكَرَّمِينَ، وَ الشُّهَدَاءِ وَ الصَّالِحِينَ، وَ كَمْ مِنْ جَارٍ كُنْتُ أُكَاتِمُهُ سَيِّئَاتِي، وَ مِنْ ذِي رَحِمٍ كُنْتُ أَحْتَشِمُ مِنْهُ فِي سَرِيرَتِي، لَمْ أَثِقْ بِهِمْ رَبِّ فِي السِّتْرِ عَلَيَّ، وَ وَثِقْتُ بِكَ رَبِّ فِي الْمَغْفِرَةِ لِي، وَ أَنْتَ أَوْلَى مَنْ وَثِقَ بِهِ، وَ أَعْطَى مَنْ رَغِبَ إِلَيْهِ، وَ أَرْأَفُ مَنِ اسْتُرْحِمَ، فَارْحَمْنِي.
اللَّهُمَّ وَ أَنْتَ حَدَرْتَنِي مَاءً مَهِيناً مِنْ صُلْبٍ مُتَضَايِقِ الْعِظَامِ حَرِجِ الْمَسَالِكِ إِلَى رَحِمٍ ضَيِّقَةٍ سَتَرْتَهَا بِالْحُجُبِ، تُصَرِّفُنِي فِيهَا حَالًا عَنْ حَالٍ، حَتَّى انْتَهَيْتَ بِي إِلَى تَمَامِ الصُّورَةِ، وَ أَثْبَتَّ فِيَّ الْجَوَارِحَ كَمَا نَعَتَّ فِي كِتَابِكَ: نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عِظَاماً ثُمَّ كَسَوْتَ الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْتَنِي خَلْقاً آخَرَ كَمَا شِئْتَ، حَتَّى إِذَا احْتَجْتُ إِلَى رِزْقِكَ وَ لَمْ أَسْتَغْنِ عَنْ غِيَاثِ فَضْلِكَ، جَعَلْتَ لِي قُوتاً مِنْ فَضْلِ طَعَامٍ وَ شَرَابٍ أَجْرَيْتَهُ لِأَمَتِكَ الَّتِي أَسْكَنْتَنِي جَوْفَهَا، وَ أَوْدَعْتَنِي قَرَارَ رَحِمِهَا، وَ لَوْ تَكِلُنِي يَا رَبِّ فِي تِلْكَ الْحَالاتِ إِلَى حَوْلِي، أَوْ تَضْطَرُّنِي إِلَى قُوَّتِي، لَكَانَ الْحَوْلُ عَنِّي مُعْتَزِلًا، وَ لَكَانَتِ الْقُوَّةُ مِنِّي بَعِيدَةً، فَغَذَوْتَنِي بِفَضْلِكَ غِذَاءَ الْبَرِّ اللَّطِيفِ، تَفْعَلُ ذَلِكَ بِي تَطَوُّلًا عَلَيَّ إِلَى غَايَتِي هَذِهِ، لَا أَعْدَمُ بِرَّكَ، وَ لَا يُبْطِئُ بِي (عَنِّي) حُسْنُ صَنِيعِكَ، وَ لَا تَتَأَكَّدُ مَعَ ذَلِكَ ثِقَتِي فَأَتَفَرَّغَ لِمَا هُوَ أَحْظَى لِي عِنْدَكَ. قَدْ مَلَكَ الشَّيْطَانُ عِنَانِي فِي سُوءِ الظَّنِّ وَ ضَعْفِ الْيَقِينِ، فَأَنَا أَشْكُو سُوءَ مُجَاوَرَتِهِ لِي وَ طَاعَةِ نَفْسِي لَهُ، وَ أَسْتَعْصِمُكَ مِنْ مَلَكَتِهِ (مَهْلَكَتِهِ)، وَ أَتَضَرَّعُ إِلَيْكَ فِي أَنْ تُسَهِّلَ إِلَى رِزْقِي سَبِيلًا. فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى ابْتِدَائِكَ بِالنِّعَمِ الْجِسَامِ، وَ إِلْهَامِكَ الشُّكْرَ عَلَى الْإِحْسَانِ وَ الْإِنْعَامِ، فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ سَهِّلْ عَلَيَّ رِزْقِي، وَ أَنْ تُقَنِّعَنِي بِتَقْدِيرِكَ لِي، وَ أَنْ تُرْضِيَنِي بِحِصَّتِي فِيمَا قَسَمْتَ لِي، وَ أَنْ تَجْعَلَ مَا ذَهَبَ مِنْ جِسْمِي وَ عُمُرِي فِي سَبِيلِ طَاعَتِكَ، إِنَّكَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ نَارٍ تَغَلَّظْتَ بِهَا عَلَى مَنْ عَصَاكَ، وَ تَوَعَّدْتَ بِهَا مَنْ صَدَفَ عَنْ رِضَاكَ، وَ مِنْ نَارٍ يَأْكُلُ بَعْضَهَا بَعْضٌ، وَ يَصُولُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَ مِنْ نَارٍ تَذَرُ الْعِظَامَ رَمِيماً، وَ تَسْقِي أَهْلَهَا حَمِيماً، وَ مِنْ نَارٍ لَا تُبْقِي عَلَى مَنْ تَضَرَّعَ إِلَيْهَا، وَ لَا تَرْحَمُ مَنِ اسْتَعْطَفَهَا، وَ لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَشَعَ لَهَا وَ اسْتَسْلَمَ إِلَيْهَا، تَلْقَى سُكَّانَهَا بِأَحَرِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ أَلِيمِ النَّكَالِ وَ شَدِيدِ الْوَبَالِ، وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَقَارِبِهَا الْفَاغِرَةِ أَفْوَاهُهَا، وَ حَيَّاتِهَا الصَّالِقَةِ بِأَنْيَابِهَا، وَ شَرَابِهَا الَّذِي يُقَطِّعُ أَمْعَاءَ وَ أَفْئِدَةَ سُكَّانِهَا وَ يَنْزِعُ قُلُوبَهُمْ، وَ أَسْتَهْدِيكَ لِمَا بَاعَدَ مِنْهَا وَ أَخَّرَ عَنْهَا.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أَجِرْنِي مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، وَ أَقِلْنِي عَثَرَاتِي بِحُسْنِ إِقَالَتِكَ، وَ لَا تَخْذُلْنِي يَا خَيْرَ الْمُجِيرِينَ، إِنَّكَ تَقِي الْكَرِيهَةَ وَ تُعْطِي الْحَسَنَةَ وَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ، وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ إِذَا ذُكِرَ الْأَبْرَارُ، وَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ، صَلَاةً لَا يَنْقَطِعُ مَدَدُهَا وَ لَا يُحْصَى عَدَدُهَا، صَلَاةً تَشْحَنُ الْهَوَاءَ وَ تَمْلَأُ الْأَرْضَ وَ السَّمَاءَ، وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَرْضَى، وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بَعْدَ الرِّضَا، صَلَاةً لَا حَدَّ لَهَا وَ لَا مُنْتَهَى، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين.
مصدر النقل: مدينة الحكمة
24مشاهدة
